القاضي عبد الجبار الهمذاني
189
تثبيت دلائل النبوة
دينه ، وليس إلا الإجابة إلى الدين أو القتل ، وهذا أعظم وأشد وأغلظ من دين الاسلام وشريعته . ونراكم تدعون للمسيح الرأفة والرحمة ، وتنزيهه عن فعل الألم والشدائد والمضار والهموم ، وهو عندكم قد شرع التوراة واحكامها وحدودها ، وغرق أهل الأرض في طوفان نوح ، وعندكم ان هذا الموت والجذام والبرص والعمى والصمم وإنزال الجرب والأسقام وأنواع الألم بالبهائم التي ما عصت من فعله ، ثم أباح ذبحها واكل لحومها وإيلامها بالكد والركوب والحمل عليها إلى غير ذلك مما قد فعلوه ، فأين الرأفة والرحمة ، وأين هذا ما أباحه نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم من قتل من كفر باللّه وافسد في الأرض ، هذا ولو « 1 » كنتم ترون المسيح نبيا مرسلا لما وجب ان تعيبوا حمله السيف لأنه قد جاء وصوب حمل الأنبياء قبله للسيف ، وإباحة الحيوان ، وان الأمراض والأسقام من اللّه ومن قبل اللّه ، فكيف وأنتم [ تدعون ان الفاعل لذلك جميعه هو المسيح ] « 2 » فما سمع بقوم هم اجهل وأوقح وأبهت من النصارى ، إذ هذا قولهم وهم يعيبون حمل محمد صلّى اللّه عليه وسلم السيف على من كفر باللّه وعبد الأوثان والكواكب والنيران من دون اللّه وكذب بهم / وبهتهم أكثر من هذا . فإن قالوا : إن هؤلاء الأنبياء حملوا السيف بأمر اللّه ، قيل لهم : فقد بطل ان يكون حمل السيف باطلا من كل وجه على ما ذهبتم إليه ، ووجب ان يراعي حامله ، فإن كان قد حمله بحجة كان محقا . فينبغي ان ينظروا في اعلام محمد صلّى اللّه عليه وسلم ومعجزاته وآياته ،
--> ( 1 ) في الأصل : لو ، وقد أضفنا الواو لما يتطلبه سياق الكلام . ( 2 ) وردت هذه العبارة في الأصل على النحو التالي : « تدعون انه هو الفاعل لذلك جميعه المسيح له » .